يوم الزئبق
مازلت أتذكر كيف كنت أقرأ درس الفيزياء أكثر من مرة كي أتأكد من خلو تجاربه من الزئبق .
أكرهه !
عندما يقتحم الزئبق درسنا,كنت أجلس في آخر الفصل,أذكر كيف كانت أستاذتنا تسكبه في الأنبوبة,لا أحتمل رؤيته !ثقييييل لونه القلق ,وحده الزئبق من يتقن فن المراوغة ؛ لم يكن كالماء سائلاً , ولم يكن صلباً , كان يتأرجح بينهما , وكنت أكره التأرجح !
******
رمادي كان صباحي
بيدين مرتعشتين أرتدي عباءتي بعد مكالمة هذا الصباح,لم آخذ معي سوى صحيفة ومذياعٍ وهاتفي المحمول هذا كل ما أحتاجه لمواصلة العيش ؛ إذ ثمة طعام هناك,لطالما انتظرت !أفكر كيف لي أن أتخلص منه هكذا , وكأن الأمر عادي ! وهل يرحب قلبي بهذا الضيف الجديد ! ماذا لو لم ………….!
(مركز الأمير سلطان لجراحة القلب )كانت العبارة الترحيبية المعلقة على واجهة المركز,أذكر جارتنا- رحمها الله -حدث وأن زرتها في هذا المستشفى في يوم مضى,وكيف تنقلتْ بين أدواره الثلاث بألوانه الوردي والأخضر والأزرق لتخرج منه إلى قبرها .
يا رب ألهمني قوة في طرد الرمادي من رأسي .
*****
في الدور الوردي كان مكاني ,ترغمني الممرضة على ارتداء لباس المستشفى ..
ماذا لو كانت المرة الأخيرة التي أخلع فيها لباسي ؟ أخضع لأوامرها كطفل صغير بين يدي معلمه في يومه الدراسي الأول,أرتدي لباس المستشفى لم يكن أبيضاً هذه المرة كان وردياً ,لعلها مراوغة أخرى من الموت !
أطالع الجريدة,خوفٌ يتربص بي ؛ لماذا ؟ لماذا في هذا اليوم فقط تنفرد الجريدة بنقد قصيدة أمل دنقل ؟
(في غرفة العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض ..
لون المعاطف أبيض ..
لون الأسرة ,أربطة الشاش والقطن …
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن )
التفاصيل الصغيرة تشير إلى شيء ما,زئبق يلوح لي,كان يبتسم متهكماً ,هذه المرة لم يكن في أنبوبة كان في سطل كبير,أحس بقربه الشديد م












