يوم الزئبق

أكتوبر 13th, 2006 كتبها أريج نشر في , قصص قصيرة

يوم الزئبق

  مازلت أتذكر كيف كنت أقرأ درس الفيزياء أكثر من مرة كي أتأكد من خلو  تجاربه من الزئبق .
أكرهه !
عندما يقتحم الزئبق درسنا,كنت أجلس في آخر الفصل,أذكر كيف كانت أستاذتنا تسكبه في الأنبوبة,لا أحتمل رؤيته !ثقييييل لونه القلق ,وحده الزئبق من يتقن فن المراوغة ؛ لم يكن كالماء سائلاً , ولم يكن صلباً , كان يتأرجح بينهما , وكنت أكره التأرجح !
   

******

     رمادي كان صباحي 
بيدين مرتعشتين أرتدي عباءتي بعد مكالمة هذا الصباح,لم آخذ معي سوى صحيفة  ومذياعٍ وهاتفي المحمول هذا كل ما أحتاجه لمواصلة العيش ؛ إذ ثمة طعام هناك,لطالما انتظرت  !أفكر كيف لي أن أتخلص منه هكذا , وكأن الأمر عادي  ! وهل يرحب قلبي بهذا الضيف الجديد !  ماذا لو لم ………….! 
(مركز الأمير سلطان لجراحة القلب )كانت العبارة الترحيبية المعلقة على واجهة المركز,أذكر جارتنا- رحمها الله -حدث وأن زرتها في هذا المستشفى في يوم مضى,وكيف تنقلتْ بين أدواره الثلاث بألوانه الوردي والأخضر والأزرق لتخرج منه إلى قبرها .
 يا رب ألهمني قوة في طرد الرمادي من رأسي  .

*****

في الدور الوردي كان مكاني ,ترغمني الممرضة على ارتداء لباس المستشفى ..
ماذا لو كانت المرة الأخيرة التي أخلع فيها لباسي ؟ أخضع لأوامرها كطفل صغير بين يدي معلمه في يومه الدراسي الأول,أرتدي لباس المستشفى لم يكن أبيضاً هذه المرة كان وردياً ,لعلها مراوغة أخرى من الموت ! 
أطالع الجريدة,خوفٌ يتربص بي  ؛ لماذا ؟ لماذا  في هذا اليوم فقط تنفرد الجريدة بنقد قصيدة أمل دنقل ؟
(في غرفة العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض ..
لون المعاطف أبيض ..
 لون الأسرة ,أربطة الشاش والقطن …
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن )
التفاصيل الصغيرة تشير إلى شيء ما,زئبق يلوح لي,كان يبتسم متهكماً ,هذه المرة لم يكن في أنبوبة كان في سطل كبير,أحس بقربه الشديد م

المزيد


لحظات معه

سبتمبر 23rd, 2006 كتبها أريج نشر في , قصص قصيرة

                 "توقف نظري عليه..
حدث ذلك عندما كنت أتجول في السوق..لا لأتبضع بل لأقضي وقتي الطويل الممل , فمن المستحيل أن أتبضع هنا ذلك أن محلات هذا السوق من النوع الذي لاتضع في أوجهتها سوى ثوب واحد أو ثوبين يعادل الواحد منها نصف معاشي ..
كان البائع يفرده أمامي ..
منذ أن رأيته شعرت أن بيني وبين هذا الفستان لغة ما ..حوارا حافلاً ..ناعماً .. أحسست أنه يعرف تماماً كيف يجعلني أنثى ..أنثى ! يا لها من كلمة تحمل بعداً..إحساس ما كان يقول لي أني بدأت أنفصل عن كوني أنثي منذ أن تجاوزت الخامسة والثلاثين وبقائي حتى الآن عارية من الزوج ..أسكن مع أخي وزوجته
أحببت انسيابه ..ملمسه الحريري.. أسرني لونه البنفسجي الغامق ..ربما لأنه يشبهني ..فلكل لون فلسفته الخاصة به ..  والبنفسجي له جمالية الحزن الهادئ ..مغرياً وموجعاً في آن واحد .. أعجبني بقاءه  وحيداً في ركن منزو بالمحل..
أحببت كثيراً هذا الفستان!!
أسأل البائع وبارتباك عن سعره , أنا التي لم يحدث يوما أن اشتريت شيئا كهذا أردت أن أجرب أن أكون أنثى ولو مع فستان ..يفاجئني السعر  !  لا يهم ..سأشتريه اليوم وأرجعه غدا متحججة أنه لم يناسبني ..
اشتريته !!
مبهورة كنت.. أتوجه للمنزل مسرعة كفراشة.. .يأخذني الارتباك ..رحت بسعادة أخفيه في غرفتي وكأنني أخفي تهمة ما ..لا أستطيع الاحتمال .. أقفل باب الغرفة..
أرتديه !
 
أتفتح فيه كزنبقة..كالمنومة أتسمر أمام المرآة مأخوذة مرتبكة , لم أكن جميلة ذلك الجمال الذي يبهر لكني كنت امرأة ! أبعثر شعري أنا التي اعتدت تقييده بالدبابيس .. أبحث عن أحمر شفاة.. م

المزيد


بنت إبليس

سبتمبر 20th, 2006 كتبها أريج نشر في , قصص قصيرة

                    من يومها لم أذهب إلى هناك ، من يومها لم أضع قدمي في المعهد ، كيف لي أن أذهب ومنذ تلك اللحظة وأنا على غير سلام مع البشر لذنب لم أجنه ، للقب ظل ملازماً لي منذ أن خرجت من بطن أمي ولا أستطيع منه انفكاكاً .. 
وقت الظهيرة في غرفة استراحة المرضى بالمستشفى .. الجو خانق وحار وأجهزة التكييف لا تعمل بشكل جيد، وبجانبي امرأة عجوز ، وفي أسفل النافذة كانت بضع نساء يبدو أنهن على معرفة مسبقة يتحدثن مع بعضهن , وطفل صغير أمامي يحاول جاهداً أن يدوس ظله .
كانت العجوز تتحدث بصوت مرتفع لواحدة من نساء أسفل النافذة ، بدا لي أنها في حالة من الاستياء , حاولت فهم ما تقول , كان الحديث يتعلق بأحد المعاهد .. واتضح لي بعد دقائق أنها تقصد المعهد الذي أعمل فيه، وأنها ساخطة على المعلمة التي تقوم بتدريس ابنتها،هتفت بصوت عنيف : 

(كيف يسمح هذا المعهد العريق أن تقوم هي – هي التي لا تتسمى – بالتدريس فيه. )

قالت واحدة من نساء أسفل النافذة بعبارة مقتضبة في محاولة منها لإنهاء الحديث معها(نعم أنت محقة )  ثم التفت إلى الأخريات المواصلة حديثها معهن ، وبما أن الحديث يدور حول المعهد الذي أعمل فيه وجدتني أهتف بتلقائية  :
( عن أي شيء تتحدثان ؟)

قالت العجوز بعصبية : 
( عن بنت إبليس )
 
وقعت تحت صاعقة كلماتها ..
كم يستفزني هذا اللقب ! مازال ينحر فيَّ من الداخل .. كسبابة المتندم أنا .. أتجرع عقوبة جريمة لم أرتكبها بل حتى لم أشارك فيها ولم أكن يوماً بطلاً من أبطالها، والطفل ذاته أمامي يحاول جاهداً أن يدوس ظله . 

صغيرة كنتُ ..
وأمي تحكي لي عن رجل كان يسكن قريتنا يلقب بإبليس  ,  يقف ليلاً في (العاير) كما يسمونه وينتظر مجيء أي امرأة ليتهجم عليها  ، حتى اُكتشف أمره وعرف الرجل ..

   هذا الرجل لم يكن سوى … سوى أبي!
أبي الذي لا أت

المزيد


شهرزاد المشتعلة

سبتمبر 15th, 2006 كتبها أريج نشر في , قصص قصيرة

  
 
منذ لحظات قليلة .. قدمت إلى مكتبي إحدى الصحفيات لتجري معي حواراً حول ديواني الأخير ( شهرزاد المشتعلة ) الذي أحدث ضجة لم أكن أتوقعها .. كانت تسألني عن تجربتيقبل كتابة هذا الديوان وما هي الظروف التي قادتني إلى كتابته .. فأجبتها بإجابةمتملقة كعادة الشعراء عندما يجرى معهم حواراً فيتملقون ويظهرون أنفسهم كأرق ما يكون) إن ما يمر به العالم اليوم من حروب ومجاعات أوجعني وأثقل كاهلي فكان أن خرج هذاالديوان ) .. أغلب الظن أنها استقبلت الفكرة بتيقن ساذج ولم تلحظ أن هذه القصائدكانت تنم عن ألم شخصي عن .. غيرة أنثى أشعلتها أنثى أخرى .. أجل .. غيرة أنثىمشتعلة!!
وحدها غيرة الأنثى تقلب كل شيء .. تدمر العالم بأسره .. اشتعالها طاقة عنيفة تفوق طاقة الذهب الأسود وكهرباء الماءوجميع الطاقات التي كنا ندرسها في الفيزياء .. رائحتها مدوخة .. غليانها مجنونتتصارع فيه الألوان الصارخة.. مازلت أتذكر تلك الحادثة .. ثمةأمور من المستحيل أن تودع في خارطة النسيان أو التناسي  .
وبكتابتي لهذا الديوان أكون قدحنطت هذه الحادثة وجمدتها ، في قصائدي حنطت جنونيوغيرتي وغروري ، عواطف يخجل المرء من ذكرها ، قد يكون مخجلاً أن يرتبط نجاحك بعواطفهشة حقيرة كتلك على الرغم من أنه لا تخلو نفس بشرية منها مهما بلغ إخلاصها ورقتها…  
هنالك حيث كان يوم .. بلغ بي الضجرأقصاه ، أشعر بجوع رهيب للحديث لأي شخص ، يرن جرس الهاتف , أتناوله بسرعة ، صوت هادئدافئ يقتحم ضجري : مرحباً ؟!
أضاء الصوت ذكريات طفولتي ، منذخمسة أشهر لم أسمع صوتها ، وخمسة أشهر مدة طويلة بالنسبة لشخص عايش طفولتك وصباكوشبابك ..
-أهلاً .. كيف حالك؟! أقادرة أنتعلى الهدوء والاسترخاء ؟! هل استعدت توازنك عقب …
بدا وكأنها تهرب من سؤالي ( أريدكاليوم .. مفاجأة تنتظرك)
عجيب صوتها! عجيب سرورها! طوالعمري لم أرها تهتز فرحاً وطرباً كما هي عليه الآن .. هي التي كانت تثير غيرتي وحقديمنذ أن كنا صغاراً في المدرسة ؛ فالجميع يمتدح هدوءها وصمتها بخلافي أنا ..
هي ..
لم أذكر يوماً حدثتني فيه عن نفسها ..
أنا ..
كنت أبوح لها بكل شيء ..
مرة واحدة حدثتني بتجرد تام ، كانذلك عند زواج زوجها من أخرى ، كانت في حالة من الهيجان الأبله المذهول مكتظةبالهزات الوجدانية .. حدثتني بكل شيء .. بانقطاع الطمث عنها بشكل كلي واستحالةإنجابها بعد هذه الحادثة .. هي التي كانت تدعو نفسها منذ أن كنا صغاراً( أم سلطان)لم تتوقع أن تسخر منها الأيام بمثل هذا الشكل..
توجهت لحجرتي .. وارتديت أجملثيابي .. طبقات من الماكياج تعلو وجهي ، ربما .. لإيهام الآخرين أني عيش في هناءة ،ربما .. لإيهام نفسي أني الأجمل .. والأفضل منها .. ربما .. ربما لا أعرف !!
فمن المستحيل أن تفهم امرأة كيف ؟والمرأة قد لا تفهم ذاتها ..
في منزلها .. استقبلتني على غيرعادتها بدت وكأنها متحمسة لشيء كبير قالت حتى قبل أن أجلس على الكنبة  ( ثمةمفاجأة تنتظرك .. وأنا واثقة من أنها ستعجبك)
أدخلتني إلى حجرة الجلوس كانتفارغة من الأثاث، وعلى الجدران لوحات مذهلة ، لوحات يطغى عليها اللونين الرماديوالأخضر ، توحي بأن من رسمها كان يرسم ألما دفيناً وخصوبة راحلة ..
بدأت أدور بين اللوحات .. وأبخرةغيرتي قد بدأت تتصاعد وتتكاثف على شكل عرق غزير يصب على جبيني وأمام كل لوحة أكتمشهقة .
هتفت – ما رأيك ؟
في صوتها شيء جديد .. نبرة جديدةأخافتني وأثارتني .. ترى ماذا أقول ؟
هل أقول أن لوحة ( Lonely ) تجسدلحظة توهج إنسانية مذهلة وإني أحس بحرارة الدموع الساقطة وأهتز لحشرجة أنفاسها .. وكأني بها تقول شيئاً ما .. بل تكاد تركض خلفي .. ونيران مشتعلة تكاد تحرقني ..

المزيد