بنت إبليس

كتبهاأريج ، في 20 سبتمبر 2006 الساعة: 23:15 م

                    من يومها لم أذهب إلى هناك ، من يومها لم أضع قدمي في المعهد ، كيف لي أن أذهب ومنذ تلك اللحظة وأنا على غير سلام مع البشر لذنب لم أجنه ، للقب ظل ملازماً لي منذ أن خرجت من بطن أمي ولا أستطيع منه انفكاكاً .. 
وقت الظهيرة في غرفة استراحة المرضى بالمستشفى .. الجو خانق وحار وأجهزة التكييف لا تعمل بشكل جيد، وبجانبي امرأة عجوز ، وفي أسفل النافذة كانت بضع نساء يبدو أنهن على معرفة مسبقة يتحدثن مع بعضهن , وطفل صغير أمامي يحاول جاهداً أن يدوس ظله .
كانت العجوز تتحدث بصوت مرتفع لواحدة من نساء أسفل النافذة ، بدا لي أنها في حالة من الاستياء , حاولت فهم ما تقول , كان الحديث يتعلق بأحد المعاهد .. واتضح لي بعد دقائق أنها تقصد المعهد الذي أعمل فيه، وأنها ساخطة على المعلمة التي تقوم بتدريس ابنتها،هتفت بصوت عنيف : 

(كيف يسمح هذا المعهد العريق أن تقوم هي – هي التي لا تتسمى – بالتدريس فيه. )

قالت واحدة من نساء أسفل النافذة بعبارة مقتضبة في محاولة منها لإنهاء الحديث معها(نعم أنت محقة )  ثم التفت إلى الأخريات المواصلة حديثها معهن ، وبما أن الحديث يدور حول المعهد الذي أعمل فيه وجدتني أهتف بتلقائية  :
( عن أي شيء تتحدثان ؟)

قالت العجوز بعصبية : 
( عن بنت إبليس )
 
وقعت تحت صاعقة كلماتها ..
كم يستفزني هذا اللقب ! مازال ينحر فيَّ من الداخل .. كسبابة المتندم أنا .. أتجرع عقوبة جريمة لم أرتكبها بل حتى لم أشارك فيها ولم أكن يوماً بطلاً من أبطالها، والطفل ذاته أمامي يحاول جاهداً أن يدوس ظله . 

صغيرة كنتُ ..
وأمي تحكي لي عن رجل كان يسكن قريتنا يلقب بإبليس  ,  يقف ليلاً في (العاير) كما يسمونه وينتظر مجيء أي امرأة ليتهجم عليها  ، حتى اُكتشف أمره وعرف الرجل ..

   هذا الرجل لم يكن سوى … سوى أبي!
أبي الذي لا أتذكر حتى ملامحه.. توفي وأنا صغيرة وحمَّلني عاره وخزيه .. 

إبليس .. ما أبشعه من لقب ! 

بعدها خرجنا من الحارة بل من القرية بأكملها غير أن اللقب ظل يرحل معنا ويمكث معنا .. يتناول الإفطار معنا ويشرب القهوة معنا .. والإحساس بالدونية ظل ينمو معي ويشاطرني حياتي .
لكن يظهر أن المرأة العجوز التي بجانبي لا تحتمل الصمت كعادة النساء العجائز، فلما رأت أن من كانت تحدثها أعرضت عنها وجدت فيَّ خير من يستمع لشكواها. 

(إي والله.. زمن عجيب !!.. وهل يصدق أن تقوم هي بالتدريس فيه ، والله ثم والله تنقطع ابنتي عن الدراسة في هذا المعهد ولا تدَّرسها .. بنت إبليس ) 
 فظيعُُ ما أسمعه ! وعلى الرغم من أن الغرفة خاصة بالنساء إلا أنني أخذت أتحسس طرحتي السوداء وألفها بعناية في محاولة مني التشاغل عنها والهرب من سيل إهاناتها المهذبة التي تطرحها عليَّ من دون أن تدرك ذلك ، أدرت وجهي .. أحس بحرارة تحرقني .. لا أدري إن كان مبعثها الغرفة أم أنا .. والطفل الصغير مازال يحاول جاهداً أن يدوس ظله , فضول يلح عليََّ لمعرفة ماذا يقال عني ، بادرتها بالسؤال : 

(وما قصة بنت إبليس هذه ؟)

( كان أبوها …) وحكت لي القصة كاملة مع الإضافات المعتادة ، لا أدري لماذا وجدتني أدافع عني ( وما شأنها بأبيها هي شيء ووالدها شيء أخر  …) ولم أجد شيئاً لأقوله  , كان صوتي يأتي مهتزاً مضطرباً. .

 وبفراسة العجائز المعهودة رمقتني بنظرة لها معنى .. ( أو تعرفينها )؟ 

أعرف من ؟؟! 
خلعت عن عينيّ نظارتي ووجدت أسناني تعض بشدة طرف الإطار, والطفل الصغير أمامي يحاول جاهداً أن يدوس ظله . 

لكن يظهر أنها أسذج مما كنت أتوقعه ، فما لبثت أن قالت وقد نسيت تماماً شكها للتو بي :
( كيف غير والدها ) ثم همست ( البارحة  تغيبت عن المعهد … أتدرين لمَ ؟)

وكنت بالفعل متغيبة فلقد استيقظت بمزاج سيء لذا لم أذهب ، غير أنها أردفت بصوت خفيض
 ( يقولون .! استغفر الله العظيم .. لا أدري ماذا أقول لكِ .. يقولون ..  )

وجدتني أسألها بلهفة ( ماذا .. ماذا يقولون ؟)

(وأعوذ بالله مما يقولون  - الله يستر عليك يا ابنتي - أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبضت عليها  ..كانت معه ) 

يا لبشاعة ما أسمع !! 

أقرص نفسي على أمل أن أصحو.. أن استيقظ .. أصرخ أي علامة تدل على أن ما أستمع إليه الآن حلماً ، غير أن صوتها مازال مستمراً:
( يا ابنتي هؤلاء قصصهم معقدة في النهار معلمة قدوة وفي الليل بغي ساقطة ) 

لا أدري كيف لم أصرخ ؟ كيف لم أركض ؟كيف لم أدافع عن نفسي ؟ كيف استطعت أن أظل جامدة؟ وهل ثمة شيء أعظم من أن تقذف امرأة بشرفها وعفتها وهما أعز ما تملك .
 حينها .. أدركت لماذا أبدو كعامود مهمل !! 

يقطع هواجسي صوت الممرضة بلهجة عربية مكسرة .. ( رقم تمانية ) وجدتني أنهض مسرعة لأهرب من كابوسي .. فإذا بالعجوز تمسك عباءتي قائلة ( أخذتنا الأحاديث ولم نتعرف على بعضنا)
قلت وأنا في طريقي إلى حجرة الطبيب..
(بنت إبليس )

 ولم ألتفت ..
             والطفل الصغير بجانبي يحاول جاهداً أن يدوس ظله .. وأظن بل إني متيقنة أنه لن يدوس ظله.

        

 

 
 

 

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
  دوّن الإدراج  

2 تعليق على “بنت إبليس”

  1. عندما تكون الكتابة حرقةً .. جمرٌ ينفث الحرائق ، لا شك أنني سأتورّط بها وأقرأ .. كالقابض على الجمر !

    لأنني هكذا أحب الكلمات .. هكذا أفضل تناولها ، وأنفر من الصقيع الأشبه بالموت

    هنا شيء ما كأنه (الفضيحة) .. لكنها بعدسة فنان يحوّل الخراب إلى منظر فاتن ، هنا طفلٌ يحاول أن يدوس ظله .. هنا لغة وتفاصيل وأشياء لا أراها ولكن أتنفسهــا

    المبدعة أريج … لك دهشتي وتفاؤلي وإعجابي بما قرأت

    دمت متألقة .. وبانتظار مزيد من التوهج

  2. أخي الفاضل تكوين

    ليست بنت إبليس وحدها

    كم من شخص في هذا العالم

    يتجرعون عقوبة جريمة لم يقوموا بها

    ويحاولون أن يدوسون ظلهم

    ويبقى الظل ملازما لهم

    شكرا لهذا المرور الثري

    تحيتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر