شهرزاد المشتعلة

كتبهاأريج ، في 15 سبتمبر 2006 الساعة: 00:53 ص

  
 
منذ لحظات قليلة .. قدمت إلى مكتبي إحدى الصحفيات لتجري معي حواراً حول ديواني الأخير ( شهرزاد المشتعلة ) الذي أحدث ضجة لم أكن أتوقعها .. كانت تسألني عن تجربتيقبل كتابة هذا الديوان وما هي الظروف التي قادتني إلى كتابته .. فأجبتها بإجابةمتملقة كعادة الشعراء عندما يجرى معهم حواراً فيتملقون ويظهرون أنفسهم كأرق ما يكون) إن ما يمر به العالم اليوم من حروب ومجاعات أوجعني وأثقل كاهلي فكان أن خرج هذاالديوان ) .. أغلب الظن أنها استقبلت الفكرة بتيقن ساذج ولم تلحظ أن هذه القصائدكانت تنم عن ألم شخصي عن .. غيرة أنثى أشعلتها أنثى أخرى .. أجل .. غيرة أنثىمشتعلة!!
وحدها غيرة الأنثى تقلب كل شيء .. تدمر العالم بأسره .. اشتعالها طاقة عنيفة تفوق طاقة الذهب الأسود وكهرباء الماءوجميع الطاقات التي كنا ندرسها في الفيزياء .. رائحتها مدوخة .. غليانها مجنونتتصارع فيه الألوان الصارخة.. مازلت أتذكر تلك الحادثة .. ثمةأمور من المستحيل أن تودع في خارطة النسيان أو التناسي  .
وبكتابتي لهذا الديوان أكون قدحنطت هذه الحادثة وجمدتها ، في قصائدي حنطت جنونيوغيرتي وغروري ، عواطف يخجل المرء من ذكرها ، قد يكون مخجلاً أن يرتبط نجاحك بعواطفهشة حقيرة كتلك على الرغم من أنه لا تخلو نفس بشرية منها مهما بلغ إخلاصها ورقتها…  
هنالك حيث كان يوم .. بلغ بي الضجرأقصاه ، أشعر بجوع رهيب للحديث لأي شخص ، يرن جرس الهاتف , أتناوله بسرعة ، صوت هادئدافئ يقتحم ضجري : مرحباً ؟!
أضاء الصوت ذكريات طفولتي ، منذخمسة أشهر لم أسمع صوتها ، وخمسة أشهر مدة طويلة بالنسبة لشخص عايش طفولتك وصباكوشبابك ..
-أهلاً .. كيف حالك؟! أقادرة أنتعلى الهدوء والاسترخاء ؟! هل استعدت توازنك عقب …
بدا وكأنها تهرب من سؤالي ( أريدكاليوم .. مفاجأة تنتظرك)
عجيب صوتها! عجيب سرورها! طوالعمري لم أرها تهتز فرحاً وطرباً كما هي عليه الآن .. هي التي كانت تثير غيرتي وحقديمنذ أن كنا صغاراً في المدرسة ؛ فالجميع يمتدح هدوءها وصمتها بخلافي أنا ..
هي ..
لم أذكر يوماً حدثتني فيه عن نفسها ..
أنا ..
كنت أبوح لها بكل شيء ..
مرة واحدة حدثتني بتجرد تام ، كانذلك عند زواج زوجها من أخرى ، كانت في حالة من الهيجان الأبله المذهول مكتظةبالهزات الوجدانية .. حدثتني بكل شيء .. بانقطاع الطمث عنها بشكل كلي واستحالةإنجابها بعد هذه الحادثة .. هي التي كانت تدعو نفسها منذ أن كنا صغاراً( أم سلطان)لم تتوقع أن تسخر منها الأيام بمثل هذا الشكل..
توجهت لحجرتي .. وارتديت أجملثيابي .. طبقات من الماكياج تعلو وجهي ، ربما .. لإيهام الآخرين أني عيش في هناءة ،ربما .. لإيهام نفسي أني الأجمل .. والأفضل منها .. ربما .. ربما لا أعرف !!
فمن المستحيل أن تفهم امرأة كيف ؟والمرأة قد لا تفهم ذاتها ..
في منزلها .. استقبلتني على غيرعادتها بدت وكأنها متحمسة لشيء كبير قالت حتى قبل أن أجلس على الكنبة  ( ثمةمفاجأة تنتظرك .. وأنا واثقة من أنها ستعجبك)
أدخلتني إلى حجرة الجلوس كانتفارغة من الأثاث، وعلى الجدران لوحات مذهلة ، لوحات يطغى عليها اللونين الرماديوالأخضر ، توحي بأن من رسمها كان يرسم ألما دفيناً وخصوبة راحلة ..
بدأت أدور بين اللوحات .. وأبخرةغيرتي قد بدأت تتصاعد وتتكاثف على شكل عرق غزير يصب على جبيني وأمام كل لوحة أكتمشهقة .
هتفت – ما رأيك ؟
في صوتها شيء جديد .. نبرة جديدةأخافتني وأثارتني .. ترى ماذا أقول ؟
هل أقول أن لوحة ( Lonely ) تجسدلحظة توهج إنسانية مذهلة وإني أحس بحرارة الدموع الساقطة وأهتز لحشرجة أنفاسها .. وكأني بها تقول شيئاً ما .. بل تكاد تركض خلفي .. ونيران مشتعلة تكاد تحرقني ..
كنت بحاجة لتحريك ساقي .. لفعل أيشيء علَّ هذه النيران تخمد ولو قليلاً .. أعادت السؤال ذاته :
-ما رأيك ؟
أجبت متظاهرة باللامبالاة (جميل .. مع أني لا أفقه في الفن كثيراً ) ثم واصلتُ بتعالٍ كمن يدعي الفهم في محاولة منيلسحب الكلمات التي قلتها ( أرى أنك ترسمين بذاكرتك تعبيراً ما على لوحاتك وهو سرروعتها فهل تراني مصيبة في حدسي ؟)
أجابت .. لا أرسم بذاكرتي .. وحدهالألم يجعلني أرسم ..
لا أدري ما الذي أربكني لحظتها .. اللوح تتراقص أمامي .. وجوه تكاد تخرج من اللوحات لتفتك بي.. أصوات أسمعها من بعيد .. أحس بالاختناق .. الاختناق .. أستنشق الهواء .. رائحة عفونة الألوان تطغى على كلشيء .. إحساس ما كان يقول لي أن رائحة العفونة ليست سوى مني .. مني أنا- كم كانالألم رهيباً !
فمنذ أيام المدرسة كنت تشعلين فينيراناً خامدة .. أنتِ التي تتقنين فن إشعالي ..
ويدور رأسي بدوراني بين اللوحات ،فاجأتني لوحة لم تكن كباقي اللوحات.. لم يكن فيها شيئاً غريباً أو مثيراً بدت لي فيأول وهلة ساذجة .. لوحة حمراء فاقعة وتتوسط اللوحة قطة مع صغارها ، مارست غيرتيمتنكرة كعادتي بأقنعة السخرية :
• قطط ؟! هل من الممكن أن أعلقهافي حجرة ابنتي الصغيرة ؟
أجابت بصوت لا لون له :
• ألا تلاحظين لون اللوحة ؟
• بلى .. أحمر .. وماذا في ذلك ؟!
دموع في عينيها حجبتها غيوم مكابرة .. لم تتحدث .. فطوال عمرها تعاني قحطاً في الكلام .. وفقر دم في التعبير .. لم تزدإلا أن قالت ..
• وحده العقم يجعلك تغار من حيوان ..
فكرت قليلاً ..
انقطاع الطمث عنها .. اللون الأحمر .. القطط وعقمها ..وسرعان ما فهمت، كان الموقف حزيناً شيئاً ما غير أن غيرتي طغتعلى شعوري بالتعاطف نحوها .. فلوحاتها اخترقتني .. وأوقدت بداخلي جنوناً .. قلت بعدشيء من الصمت لإدخال جو طريف :
- (في المرة القادمة لا نريدلوحاً هادئة .. نريدها صاخبة .. وجوه كثيرة .. ألوان صارخة مفرحة لوحة مليئةبالقتلى لإعطاء نوع من الحيوية !! ) نطقتُ بالجملة الأخيرة ساخرة ..
ابتسمت قليلاً وأجابت بسخرية أيضاً :
-لا بد أن نزعة سادية تسكنك ..
مثقلة بالبراكين والهزات النفسيةخرجت ..
أحسست بحاجة أن أكون مع نفسي ،أقفلت باب حجرتي .. وأبصرت في المرآة أنا أجمل منها .. ثم إن عاطفة الأمومة أحسستها ..فماذا أريد أكثر من ذلك ..
لا أدري كيف أوصلني التفكير إلىهذا .. إلى أن أفكر بطريقة الأطفال .. فلقد فقدت توازني ..
أنظر للمرآة مرة أخرى ..فلا أرىسوى ألوان صفراء ..ورائحة العفونة ذاتها تلاحقني ..
أفتح علبة الألوان .. أحاول أنأرسم .. لا أستطيع، رعشة خوف تتملكني .. منذ أن كنت صغيرة .. وأنا أهرب من الفرشاة .. خوفاً من الفشل .. فماذا لو أمسكتها ولم أستطع أن أرسم ؟
ماذا لو أمسكتها وكان رسمي ساذجاً؟ 
الورقة أمامي .. أحاول تهيئتها.. أمسك الفرشاة بيد مرتجفة .. تقف عاجزة يدي ..
أحاول .. فلا أستطيع ..
أرمي بعلبة الألوان على سطح مكتبي .. تتمازج الألوان على السطح فأرى صورتها .. وكأنها تسخر بي ..
أمسك ورقة بيد .. وباليد الأخرىقلمي .. ونشوة تسري بأوصالي .. أخذت أكتب فأتنفس… وأكتب.. النار المشتعلة هدأت .. أستنشق هواء غرفتي ولا أشم تلك الرائحة .. رائحة عفونتي
وينتهي هذا الديوان ..
وبكتابتي لهذه القصائد ونجاحالديوان .. أكون قد قضيت عليك .. وأخمدت نيراناً كادت أن تحرقني.. ألم تقولي يوماً  
أن نزعة سادية تسكنني ؟َ

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر