لحظات معه
كتبهاأريج ، في 23 سبتمبر 2006 الساعة: 21:06 م
"توقف نظري عليه..
حدث ذلك عندما كنت أتجول في السوق..لا لأتبضع بل لأقضي وقتي الطويل الممل , فمن المستحيل أن أتبضع هنا ذلك أن محلات هذا السوق من النوع الذي لاتضع في أوجهتها سوى ثوب واحد أو ثوبين يعادل الواحد منها نصف معاشي ..
كان البائع يفرده أمامي ..
منذ أن رأيته شعرت أن بيني وبين هذا الفستان لغة ما ..حوارا حافلاً ..ناعماً .. أحسست أنه يعرف تماماً كيف يجعلني أنثى ..أنثى ! يا لها من كلمة تحمل بعداً..إحساس ما كان يقول لي أني بدأت أنفصل عن كوني أنثي منذ أن تجاوزت الخامسة والثلاثين وبقائي حتى الآن عارية من الزوج ..أسكن مع أخي وزوجته…
أحببت انسيابه ..ملمسه الحريري.. أسرني لونه البنفسجي الغامق ..ربما لأنه يشبهني ..فلكل لون فلسفته الخاصة به .. والبنفسجي له جمالية الحزن الهادئ ..مغرياً وموجعاً في آن واحد .. أعجبني بقاءه وحيداً في ركن منزو بالمحل..
أحببت كثيراً هذا الفستان!!
أسأل البائع وبارتباك عن سعره , أنا التي لم يحدث يوما أن اشتريت شيئا كهذا أردت أن أجرب أن أكون أنثى ولو مع فستان ..يفاجئني السعر ! لا يهم ..سأشتريه اليوم وأرجعه غدا متحججة أنه لم يناسبني ..
اشتريته !!
مبهورة كنت.. أتوجه للمنزل مسرعة كفراشة.. .يأخذني الارتباك ..رحت بسعادة أخفيه في غرفتي وكأنني أخفي تهمة ما ..لا أستطيع الاحتمال .. أقفل باب الغرفة..
أرتديه !
أتفتح فيه كزنبقة..كالمنومة أتسمر أمام المرآة مأخوذة مرتبكة , لم أكن جميلة ذلك الجمال الذي يبهر لكني كنت امرأة ! أبعثر شعري أنا التي اعتدت تقييده بالدبابيس .. أبحث عن أحمر شفاة.. مر وقت طويل لم أرسم شفتي بأحمر شفاة .. أتأكد من أن باب الغرفة مقفلاً خشية أن تضبطني زوجة أخي في هذا الوضع الحميمي مع فستاني !
وأعود إلى المرآة ..أتابعني في نظرة غائبة..
أتذكر أن امتلاك الفستان ليس إلا وهماً.. فجأة تتوقف الأحاسيس داخلي .. أصفف شعري وأعيد جمعه ..أضع يدي على ركبتي وألقي برأسي ..أمزق الصمت حولي بنحيب مفاجئ ..تداهمني طقوس حزن بدائية ..أخلع فستاني على عجل ..أتوجه مسرعة نحو النافذة..أهرب من واقعي إلى عالم أرحب من هذه المدينة الجائرة ..التي تصل بك حد القرف ! أكرههم ..أمقتهم يحدث ذلك عندما تتقاطع نظراتهن .. غمزاتهن بي .. أحاول أن أتعلم تجاهل نظرات شفقتهن أو شماتتهن الصامتة البادية على أعينهن.. نظرات شفقة أو شماتة سيان ! كلها تحطمني.. كل نظراتهن تحمل سؤالاً واحداً .. لماذا لم تتزوج حتى الآن ؟
خاطر مجنون يعبرني أقف خارج حدود المنطق.. تداعبني فكرة طفولية.. لو تأتي العرافة كما في قصة سندريلا .. سأطلب منها أن تعيرني حسن أنثى في أوج فتوتها !
أتجه إلى فراشي .. أضم وسادتي .. تبكي الوسادة تحتي .. أشعر بذبول يسري في عروقي ..
يرتفع صوت الآذان .. أتوضأ وكأني أغسل كل ما علق بي من هواجس مؤلمة ..أصلي .. أناااام كما لم أنم منذ أيام..
في الصباح أمام البائع .. ( عفوا..الفستان لا يناسبني )
يرمقني البائع بنظرة استغراب.. أسترد ثمنه بارتباك..
أخرج من المحل… أمسك وبشدة طرف عباءتي .. ألقي نظرة أخيرة عليه .. أكتفي بوهم امتلاكه.. وأعود ..
أعود لبيت أخي لاشئ معي سوى..
ذكرى لحظات معه……
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:قصص قصيرة
دوّن الإدراج
























سبتمبر 27th, 2006 at 27 سبتمبر 2006 10:05 م
المبدعة حقا الفنانة الراقية والرقيقة / أريج سليمان
هذه أول قصة أقرؤها على مدونتك حقيقة رائعة وأكثر من رائعة استطعت من خلالها أن تربطي بين شعور البطلة وبين الفستان بانسيابية جميلة ولغة قصيرة وسريعة تناسب الأحداث .
استمتعت حقا ولذا أسجل فورا انطباعي هذا على أمل أن اكمل باقي أعمالك
لك تحياتي وتقديري
بهاء الدين رمضان
أمين اتحاد كتاب مصر فرع الجنوب
http://www.clix.to/bahae66
سبتمبر 27th, 2006 at 27 سبتمبر 2006 11:54 م
الأستاذ الفاضل : بهاء الدين رمضان
مرورك أضاء متصفحي
فشكرا لك
فبراير 8th, 2007 at 8 فبراير 2007 12:42 ص
بداية واعدة لــ قاصة ذات ” وهج ”
عدينـا أن تعيدي الكرة أخرى ..
مع بوح نفس أو نزف روح
فالجراح عند قلمك تضمد .. !
كل المنى ..
عاطرة ..
فبراير 9th, 2007 at 9 فبراير 2007 2:46 ص
اشراق
مرورك حرضني على الكتابة
لك تحية تشبهكـِ
شكرا لك ,,
أبريل 1st, 2007 at 1 أبريل 2007 9:28 م
سعدت جداً بإيجادي من خلال محركات البحث مدونتك!..
كنت قد قرأت القصة سابقاً في جسد الثقافة وأدمنتها :)…
ماشاء الله عليكي يا أريج .. إبداع حقيقي بأبسط الكلمات!
وهذا ما كتبته لاحقاً..
_ _ _
في لغة القصة: ربما كان سر التناغم الذي يشعر به القارئ والسلاسة في النص هو التلاءم بين المعاني والكلمات المنتقاة. بما أن القصة تتمحور حول الفستان الذي أيقظ في المرأة لحظة أمل من سنوات، استخدمت الكاتبة الكثير من العبارات المتماشية مع الأقمشة واللبس. على سبيل المثال: “بقائي حتى الآن عارية من الزوج”، “أمزق الصمت حولي بنحيب مفاجئ”، “أتوضأ وكأني أغسل كل ما علق بي من هواجس مؤلمة”.
عندما أقرأ عن المرأة.. أتذكر تشبيه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير. والقصة استخدمت وصفاً مشابهاً عندما تحدثت البطلة عن النظرات المتعاطفة والشامتة: “كلها تحطمني”.
بديعة هي الألوان في القصة: اللون البنفسجي يغمرها، فهناك القميص البنفسجي بنعومته. استثمرت الكاتبة اللون في ذكر الزنبقة ولذا سيشعر القارئ بانتقال طبيعي وهو يقرأ وصف بطلة القصة بعد البكاء: “أشعر بذبول يسري في عروقي”. أضفت الكاتبة أيضاً ألوان أجنحة الفراشة وذكرت سندريلا.. وهي في رأيي من أخطر القصص على الأطفال وعلى الفتيات بالتحديد إن لم تكن وصمة عار في أدب الصغار لأنها تُحكى لهن وهن في مرحلة تكوين الوعي والتفكير برغم أنها تفتقر للمنطق. تنتهي القصة باللون الأسود وهو لون العباءة: “أمسك وبشدة طرف عباءتي”.. وكلمة “شدة” هنا تضفي طبقة أحلك من السواد.
الجميل أيضاً في هذه القصة تفاعل الأشياء الجامدة مع المرأة الذي يفضح وحدتها أو قلة البشر في حياتها وانعزاليتها: فهناك الفستان، وهناك الغرفة الموصدة، “أتأكد من ان باب الغرفة مقفل خشية ان تضبطني زوجة أخي”، و الوسادة “أضم وسادتي.. تبكي الوسادة تحتي”.
يمثل الفستان البنفسجي الفتاة نفسها، فهو رمز لها. لذلك فأي وصف للفستان هو ذاته وصف للفتاة. لقد ذكرت بنفسها العلاقة التي نشأت بينها وبينه منذ رأته: “منذ ان رأيته شعرت ان بيني وبين هذا الفستان لغة ما.. حواراً حافلاً.. ناعماً. . . . . . . . أحببت انسيابه.. ملمسه.. الحريري.. أسرني لونه البنفسجي الغامق.. ربما لأنه يشبهني.. . . . .. والبنفسجي له جمالية الحزن الهادئ. . . . . .. أعجبني بقاؤه وحيداً في ركن منزو بالمحل”. حتى أن لحظة التناغم والتداخل الجسدي بين المرأة والفستان كانت لحظة تكامل: : “اتفتح فيه كزنبقة “. برغم معاداتي لبعض أفكار فرويد إلا أن رمز “الزهرة” هنا يبدو واضحاً – ترى هل تعمدت الكاتبة وضع هذا الرمز أم أنه انساب من تداعيات اللون البنفسجي؟ أم هو أنسب وصف لانزلاق الفستان عن ارتدائه وبروز المرأة منه وبه؟ عموماً، امتداد الرابط والتشابه بين الفستان والمرأة يتجاوز الانزواء –المرأة توصد الباب على نفسها، وتتبضع وحدها، بل وتعيش مع أخيها وزوجته وهما مما يبدو لن يفهما أبداً شعورها - و الملامح – وصفت الفستان بالحزن الهادئ.. -إذ أن الفستان للبيع، كما هي معروضة للزواج. غير أنها كما يبدو قد تنازلت عن هذا الأمل منذ زمن من حديثها اليائس: “تجاوزت الخامسة والثلاثين وبقائي حتى الآن عارية من الزوج”، “أبعثر شعري أنا التي اعتدت تقييده بالدبابيس.. أبحث عن أحمر شفاه.. مر وقت طويل لم أرسم شفتي بأحمر شفاه”.
المعضلة التي تعانيها البطلة هي إيقانها بأن الفستان يمثلها هي..
فنراها أولاً وقد أحيى الفستان الأنوثة فيها.. وكأنه أكمل جزءاً ناقصاً منها: “اتفتح فيه كزنبقة.. . . . لم أكن جميلة ذلك الجمال الذي يبهر لكني كنت امرأة!”. لكن البطلة قد عانت من رفض المجتمع لها، من رفض الرجال لها على وجه التحديد – تذكروا أن البائع قد ذّكر في القصة بشكل سريع بدون أي معلومات عن شكله ولم يكن له موقف تجاهها كأنثى -، لهذا جاء الارتجاع المؤلم الذي تعانيه: “هذه المدينة الجائرة.. التي تصل بك حد القرف! أكرههم.. أمقتهم يحدث ذلك عندما تتقاطع نظراتهن.. غمزاتهن بي.. أحاول ان أتعلم تجاهل نظرات شفقتهن أو شماتتهن الصامتة البادية على أعينهن.. نظرات شفقة أو شماتة سيان! كلها تحطمني.. كل نظراتهن تحمل سؤالاً واحداً.. لماذا لم تتزوج حتى الآن؟”. هنا يحين تبادل الأدوار فتقرر ولو لمرة أن تجرب دور المجتمع الذي رفضها كفتاة صالحة للزواج عندما أعادت الفستان للمحل: “سأشتريه اليوم وأرجعه غداً متحججة أنه لم يناسبني”.
عندما حل الفستان، رمز البطلة، في حياتها، خرجت هي من دورها لتلعب دور المجتمع.. فرفضته.. فهل مرّت بتجربة سابقة رُفض فيها حبها أو تحطمت فيها آمالها كزوجة محتملة؟..
تقمص المرأة دور المجتمع الرافض لها يتطلّب قسوة وحزم لذا كان هذا تصرفها تجاه الفستان : “كالمنومة أتسمر أمام المرآة”، “وأعود إلى المرآة.. أتابعني في نظرة غائبة”، “فجأة تتوقف الأحاسيس داخلي”، “(عفواً.. الفستان لا يناسبني)”
القصة تضع سلوك فرد تعرض لظلم من نوع معين – على الأقل من وجهة نظر الفرد ذاته - تحت المجهر: البطلة الضحية الماسوشية تعيد إنتاج نظام المجتمع، مثل المرأة التي قاست في شبابها من تسلط حماتها وتحكمها بزوجها الذي هو ابنها، فتقوم هي الأخرى بالتحكم في حياة ابنها وزوجته.
بمعنى آخر .. كما قلت سابقاً.. البطلة صنعت مآساة حياتها بنفسها :).. تذكروا أنها تبكي الزوج الخيالي.. وتذكروا أيضاً أنها كانت تتمشى في سوق تعرف أنها لن تشتري منه لأنه أعلى من مستواها المادي: “فمن المستحيل ان أتبضع هنا ذلك ان محلات هذا السوق من النوع الذي لاتضع في أوجهتها سوى ثوب واحد أو ثوبين يعادل الواحد منها نصف معاشي”.
قد يكون الفستان رمزاً للزوج والزواج والعالم الذي لن تراه هذه المرأة “أتذكر ان امتلاك الفستان ليس الا وهماً”، “أحسست أنه يعرف تماماً كيف يجعلني أنثى” و”أردت ان أجرب ان أكون أنثى ولو مع فستان”، “أتأكد من ان باب الغرفة مقفل خشية ان تضبطني زوجة أخي في هذا الوضع الحميمي مع فستاني!”…وهذه هي متعة استخدام الرموز في النص لأنها تضفي عمقاً وأبعاداً… لكن ما أؤمن به هو أن الفستان هو الشخصية الثالثة في القصة، بعد المرأة والبائع، إضافة للشخصيات المغيبة وهما أخو المرأة وزوجته، فله وقع وتأثير وكأنه شخص!.. تذكروا وصف المرأة له: “أعجبني بقاؤه وحيداً في ركن منزو بالمحل” وهو وصف يشي بأن للفستان إرادة البقاء. الفستان يمثل المرأة ويرمز لكل من تمر بنفس التفكير.
أبريل 14th, 2007 at 14 أبريل 2007 1:50 ص
شكرا لهذه القراءة
يحدث كثيرا أن نكتب بعفوية ثم يأتي أحدهم ويقرأ نصوصنا من زواية أخرى فنفاجأ !
أتدري
بعد قراءتك هذه أشعر أني أقرأ قصة أخرى ليست قصتي , لقد لفت نظري لأشياء لم ألتفت لها من قبل .
شاكرة لك مرة أخرى هذه القراءة
…………………………………………..
أيضا وددت التوضيح لكل العابرين هنا ثمة اختلاف في بعض العبارات المدونة في قصتي والواردة في تعليق أخينا الكريم , وهذا يعود إلى أني قمت بإجراء تعديلات في القصة ورأيت أنه من المفترض حذف بعض العبارات ,تعلمون حتما أخطاء البدايات هذا غير أن الإنسان قد يتراجع عن أمور يتبين له بعد حين خطأه فيها, بمعنى أني أتبرأ من النص بصورته الأولى لمعروضة في المنتدى حتى إني قمت بنشره في جريدة الرياض معدلاً
تحية لكل العابرين